السيد محمد الصدر

255

ما وراء الفقه

والدعاء الاستغاثة ، كأنه يدعو الغير ليغيثه ويحل مشكلته ويقضي حاجته ، وقد لا يجد مغيثا . ومنه قوله * ( لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُوراً واحِداً وَادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً ) * . وهنا قال اللغويون : هو أن يقول : يا لهفاه يا حسرتاه ونحو ذلك من ألفاظ التأسف . والدعاة هم الذين يباشرون بالدعاء . قالوا : هم قوم يدعون إلى بيعة هدى أو ضلالة . واحدهم : داع . ورجل داعية إذا كان يدعو الناس إلى بدعة أو دين . أدخلت فيه الهاء للمبالغة . والنبي صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم داع إلى اللَّه سبحانه وتعالى . والمؤذن أيضا داع إليه جلّ جلاله . والجن أيضا يدعون إلى اللَّه لأنهم قالوا لقومهم * ( أَجِيبُوا داعِيَ ا للهِ ) * . وهذا فيه احتمالان : أحدهما : أنهم يريدون بذلك أنفسهم فهم داعي اللَّه كما فهم اللغويون . والآخر : أنهم يريدون النبي صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم يعني : أجيبوا النبي صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم الذي استمعوا إلى قرآنه وهذا هو الأرجح . ويقال : لكل ميت دعي فأجاب . فكأن اللَّه سبحانه ناداه ليخرج من دار الدنيا إلى دار الآخرة . ويقال : دعاني إلى الإحسان إليك إحسانك إليّ . أي كأنه ناداني وطلب مني عمل الإحسان . وكل هاجس نفسي يحثّ على العمل فهو داع . يقال : وجدت الداعي في نفسي إلى كذا . وكان عمله بلا داع أي بدون مصلحة تجعل الداعي في النفس أو هي تدعو إلى ذلك مجازا . وأما الادعاء فمادته غير الدعاء . وقد وجدت خلطا بينهما في كلمات اللغويين . فإن الادعاء هو أن تنسب إلى نفسك ما ليس فيك أو أن تنسب إلى أي شخص ما ليس فيه . وليس هو محل كلامنا الآن . وأما الدعاء لدى علماء البلاغة والمعاني والبديع ، فهو الطلب من السافل إلى العالي . ويجعلون الدعاء إلى اللَّه مثاله أو أوضح أمثلته . وقد جعلوا